اسلام اون لاين- اجمعة 9 تشرين اول/اكتوبر 2009
عدنان أبو عامر
إسرائيل تخطط لابتلاع كل القدس ورفض التقسيم
تشير الأحداث المتلاحقة في مدينة القدس إلى رغبة إسرائيلية محمومة بالسيطرة المتواصلة عليها لأهداف دينية وأخرى ديموغرافية وثالثة أمنية ورابعة اقتصادية، وكلما مر الوقت أكثر فأكثر، تبدت الرغبة "الرسمية" من قبل حكام تل أبيب في تهويد كل القدس وتسهيل الفرص أمام الجماعات الدينية اليهودية، بل والضلوع ميدانياً وعملياً، في تنفيذ المخططات الداعية إلى إزالة المسجد الأقصى، والتمهيد لإقامة الهيكل المزعوم.
في هذا الصدد يناقش هذا المقال الأبعاد الإسرائيلية المستقبلية الخاصة بمدينة القدس، لاسيما بعيد انعقاد مؤتمر "أنابوليس" الدولي للتسوية في نوفمبر 2007, حيث سمعت بعض الأصوات داخل الحكومة الإسرائيلية حول إمكانية تقسيم المدينة.
وقبل استعراض المواقف الإسرائيلية من مدينة القدس، لابد من الحديث عن السيمفونية الرسمية، الحكومية والدينية، حول ما يعرف بـ"حق الشعب اليهودي" في القدس، ونفي المطالب الفلسطينية في المدينة، وتعزيز ذلك بإيراد إحصائيات ديموغرافية ومؤشرات خطيرة من داخل المدينة، إلى جانب التأثيرات الأمنية المتوقعة في حال تقسيم القدس، وهي تحذيرات صادرة من داخل أوساط نافذة من الحكومة الإسرائيلية الحالية، بما فيها رئيس الوزراء ذاته.
وتنطلق هذه المواقف من تفنيد الزعم الأساسي لبعض دعاة تقسيم المدينة من كونه ينبع من ضرورة الحاجة لإعادة التوازن الديموغرافي بين اليهود والعرب من سكانها، على أن يكون هذا التوازن لصالح السكان اليهود، من خلال ما يوصف في إسرائيل بـ"اقتلاع" التجمعات السكانية العربية من داخل حدود المدينة.
أهداف ديموغرافية واقتصادية
وتبدي هذه الأوساط السياسية والحكومية -كما يقول "نداف شرغاي" الصحفي الإسرائيلي المتخصص في شئون القدس، ومؤلف دراسة "القدس ومخاطر التقسيم"- حماساً ملحوظاً لضرورة الفصل بين التجمعات العربية واليهودية، كونه يبدو حاجة ملحة ولا مفر منها، في سبيل وضع حد للتقلص الجاري للوضع السكاني اليهودي في المدينة.
وفي ضوء هذه المخاطر الكامنة في المدينة، على الصعيد الديني التاريخي للشعب اليهودي ومقدساتها، تقترح هذه الأوساط التكيف مع "المشكلة الديموغرافية" للقدس من خلال معالجة أصلية أساسية للمشكلة من خلال البحث في حلول لظاهرة هجرة اليهود من القدس، ومحاولة التخلص منها، والقضاء عليها مستقبلاً.
وترى الدراسة الصادرة حديثاً عن معهد القدس لشئون الدولة، أن مستقبل المدينة، يحتوي على مخاطر كبيرة تجعل الإسرائيليين يخسرون الكثير من النقاط، وتعرض الدولة للعديد من الإشكاليات، أهمها: بقاء الأحياء العربية، بما فيها الصغيرة، يعرض سكان المدينة اليهود، خاصة القاطنين على خط التماس على حدودها، لمخاطر أمنية صعبة ومحيطة بهم من كل جانب، أخطرها أن هؤلاء السكان اليهود سيكونون عرضة لنيران القناصة الفلسطينيين.
على صعيد آخر، فإن المخاطر المتوقعة لتطبيق قرار تقسيم المدينة، قيام عشرات الآلاف من اليهود بهجرها والرحيل عنها، كما حصل عقب حرب عام 1948، وتقسيم المدينة آنذاك، حيث غادر المدينة ما يقرب من 25 ألف يهودي، وهم ربع سكان المدينة اليهود تقريباً.
ويتوقع باحثون سياسيون إسرائيليون في تحليلات غصت بها الصحف اليومية، انتقال عشرات الآلاف من سكان المدينة العرب للسكن في الجانب الإسرائيلي من حدود المدينة التي ستغدو "مقسمة"، وهي إمكانية واقعية وقائمة بالفعل، لاسيما أن بقاء الأحياء العربية في المدينة غدت تشكل "أمراً واقعاً".
ويدفع هذا الواقع الجديد بعشرات الآلاف من سكان المدينة الفلسطينيين للانتقال والإقامة في الجانب الإسرائيلي من جدار الفصل العنصري، في ظل تراجع خيار تقسيم المدينة بصورة مقلصة، بفعل بنائه بشكل يحيط بشمال المدينة.
بقي أن نذكر، أن دراسة "شرغاي" المشار إليها سابقاً ترجح أن إسرائيل كدولة ستجد صعوبة حقيقية في منع الهجرة الفلسطينية إلى داخل حدودها، لاسيما إذا تم حرف مسار الجدار الفاصل نحو الغرب والجنوب والشمال، باتجاه الأحياء السكنية اليهودية، وبالتالي فإن إمكانية معاودة هذه الهجرات من جديد أمر قابل للحدوث لذات الأسباب التي حدت بحدوث الهجرات السابقة.
يأتي ذلك أخيراً، في ضوء وجود توقعات أنه على جانبي الفصل في المدينة المقدسة حدوث مكاسب اقتصادية وديموغرافية، لاسيما على صعيد تحلل عرب شرقي القدس من الضرائب المختلفة، التي تتم جبايتها بواسطة سلسلة من الأوامر القضائية الإسرائيلية، كما أن هذا التقسيم –كما يذكر ذلك المحللون والباحثون الإسرائيليون- سيأتي بأضرار محدقة بـ"الحق اليهودي" للإقامة في المدينة المقدسة، ومساً خطيراً بما يسمونه "الجذور اليهودية" للمدينة.
وقف نزيف الهجرة
على صعيد آخر، فإن هناك مخاوف إسرائيلية من أن معدل المواليد المرتفع في أوساط العرب المقدسيين، يتساوى تقريباً مع معدل المواليد اليهود، ما يؤثر سلباً على الصورة الديموغرافية للمدينة، علماً بأن ذلك ليس السبب الوحيد للتقلص الآخذ في التزايد بين الأوساط اليهودية؛ وبالتالي فإن العنصر الأساسي الذي يؤثر على تراجع نسبة السكان اليهود في المدينة المقدسة يتمثل في نسبة الهجرة اليهودية المرتفعة منها، فالإحصائيات "المخيفة" تشير إلى أن المعدل السنوي لهجرة اليهود منها تصل إلى 16 ألفاً، وخلال الـ20 سنة الماضية غادر القدس ما يقرب من 300 ألف يهودي.
ولمواجهة هذا "النزيف" اليهودي، اقترحت نخبة من الباحثين الإسرائيليين في سلسلة من الندوات الدراسية عقدت خلال الأشهر الأخيرة جملة من الخطوات التي يمكن اتباعها لوقف معدل الهجرة هذا، ولذلك فقد أجرت عدداً من الأبحاث واستطلاعات الرأي، أوضحت بما لا يدع مجالاً للشك أن الأسباب الرئيسة لهذه الظاهرة تكمن في صعوبة العثور على فرص عمل مناسبة لليهود من جهة، والارتفاع الباهظ في إيجارات الشقق السكنية.
وهناك العشرات من القرارات التي اتخذتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، والعديد من اللجان الوزارية لشئون القدس، وطواقم من الخبراء، واللجان المهنية المتخصصة لدراسة وضع المدينة، أوصت بوضع الخطط المختلفة والمطالب العديدة لوقف ما أسمته "النزيف" اليهودي الحاصل في تزايد معدلات الهجرة اليهودية، والحفاظ على أكبر نسبة ممكنة من سكانها اليهود للبقاء فيها.
وتلخص جزء من التوصيات التي قدمت للحكومات واللجان الوزارية في "ضخ" المزيد من الأموال لتثبيت العائلات اليهودية التي تشكو من ارتفاع باهظ في إيجارات السكن، وتوفير أكبر قدر ممكن من الأرباح المالية لسكان المدينة من اليهود، لكن عدداً قليلاً من تلك التوصيات وجد طريقه للتنفيذ على أرض الواقع، والجزء الأعظم منها بقي حبراً على ورق حتى كتابة هذه السطور، كما أكد ذلك "شرغاي" في دراسته السابقة!
"موشيه هيرش"، مؤلف دراسة "القدس إلى أين: اقتراحات بشأن مستقبل المدينة"، من جانبه، طالب بوضع سلسلة من الخطوات أمام صانع القرار الإسرائيلي القابلة للتنفيذ، من شأن تطبيقها إحداث تغيير جوهري ذي أثر ملموس على مسألة الهجرة اليهودية من المدينة، وصولاً إلى تغيير حقيقي في معدلات التفوق الديموغرافي التي تقف في صلب خطط تقسيم المدينة المقدسة.
ويتمثل جزء أساسي من الخطوات المتوقعة في توسيع حدود بلدية القدس، والتجمعات اليهودية المحيطة بها، هذه الخطوة تتعلق بالبعد الإداري للكلمة، وليس الأبعاد السيادية، وستعني ضم كل يهود المدينة، حتى لو كانوا خارج الإدارة المحلية للبلدية الحالية، مثل تجمعات "معاليه أدوميم وجبعات زئيف وغيرها.
ويورد في دراسته الصادرة عن "معهد أبحاث إسرائيل" عدداً من المؤشرات الاقتصادية التي تشير إلى أنه رغم الفوارق الواضحة والكبيرة بين المرافق التحتية للمدينة في قسميها اليهودي والعربي، فإن هناك قواسم مشتركة بينهما في عدد من مرافق المياه والكهرباء والهاتف والخدمات الصحية وغيرها.
التمييز الديني
قطاع عريض من صناع القرار الإسرائيلي، وفي خضم هذه الاعتداءات المتواصلة على المسجد الأقصى خلال الأسابيع الأخيرة من قبل الجماعات الدينية اليهودية، يظهرون "اعترافاً" إسرائيلياً بأن مدينة القدس مقدسة في نظر الديانات السماوية الثلاث، وفي أنحائها توجد سلسلة من الأماكن المقدسة لليهود، والمسلمين، والمسيحيين، وفي مركزها: المسجد الأقصى وحائط البراق وكنيسة القيامة.
لكن هذا القطاع في ذات الوقت، يتراجع عن هذا "الاعتراف" النظري، ويبدي تذرعاً بالنكوص عنه، من خلال رفض أي محاولات سياسية لإمكانية تقسيم المدينة، في ظل وجود مخاوف من تراجع الحرية الدينية لرواد الأماكن المقدسة، سواء للمسلمين والمسيحيين، وهو تخوف مرده إلى وجود مؤشرات شهدتها السنوات الماضية، من خلال عدم قدرة أتباع الديانتين الإسلامية والمسيحية على ارتياد أماكنهم المقدسة.
الغريب في الأمر، أن إسرائيل تحاول من خلال تجنيدها لآلتها الإعلامية والفكرية ترديد بعض الدعايات المشوهة لتبرير "احتكارها" للأماكن الدينية في القدس، لاسيما ما أشيع حول هجرة العديد من المسيحيين للأراضي الفلسطينية، وذهابهم للخارج، ومحاولة "تضخيم" حادثة لجوء الفدائيين الفلسطينيين خلال تنفيذ عملية "السور الواقي" عام 2002، إلى كنيسة المهد في مدينة بيت لحم مكاناً لاستيعاب ولجوء العشرات منهم، وترويج التقارير الأمنية والاستخبارية التي يصدرها جهاز الشاباك تباعاً حول احتماء مطلقي صواريخ المقاومة في مدينة بيت جالا أوائل الانتفاضة بالكنائس المسيحية، بهدف إرباك إسرائيل وإحراجها أمام الرأي العام العالمي، عبر استدراجها لإطلاق النار على مصادرها، وهي في هذه الحالة الأماكن المقدسة المسيحية.
في المقابل، فإن الآلة الدعائية الإسرائيلية تكثر من تسويق الأنباء المتفرقة حول استهداف الأماكن المقدسة اليهودية مثل "قبر يوسف" في مدينة نابلس، أو "قبة راحيل" في بيت لحم، التي تعرضت لحوادث إطلاق نار من قبل الفلسطينيين، وهناك أماكن أخرى مثل "الكنيس القديم" في أريحا، وقبر "أفنير" في الخليل، التي استخدمت أماكن للجوء المطلوبين إليها.
كما تزعم إسرائيل أنه في العديد من الحالات التي نقلت فيها أجهزة الأمن الإسرائيلية المسئولية الأمنية عن المسجد الأقصى لأجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية، فقد باءت جميعها بالفشل، وتحولت ساحة الحرم إلى أحداث فوضى عارمة بين المصلين المسلمين واليهود في حائط البراق.
ولذلك، تحذر الدراسات الإسرائيلية الصادرة في هذا السياق صناع القرار في تل أبيب من أن قرار تقسيم مدينة القدس فيما لو تم، سيعيدها حتماً لما كانت عليه قبل عقود طويلة، حيث عدم الاستقرار الأمني، والتراجع الاقتصادي.
البعد الأمني
هذا المحور من التحليل يتركز أساساً في تتبع الآثار الأمنية المترتبة على إمكانية اتخاذ قرار ما بشأن المدينة، من خلال اعتماد الأوساط السياسية الإسرائيلية، لاسيما في ائتلاف الحزب الحاكم اليوم "الليكود، وإسرائيل بيتنا، و"شاس"، على أن خطوة تقسيم المدينة ستكشف المزيد من التجمعات اليهودية فيها أمام قذائف المقاومة ومطلقيها، بعد أن شهدت الفترة الماضية عدداً من هذه الحوادث، على قلتها، في قلب المدينة وعلى حدودها، كما أن تقسيمها سيجعل جزءاً من هذه التجمعات السكانية اليهودية حتماً في مجال إطلاق القذائف والصواريخ، التي يعمل الفلسطينيون على تطويرها وتحسين قدراتها.
إلى جانب ذلك، تعود المراكز البحثية الإسرائيلية بهدف تحريضي مكشوف، بذاكرة صناع القرار في الدولة العبرية، إلى أن مدينة القدس التي تقع في صلب الصراع الديني القومي تحولت مع بداية سنوات الـ2000، إلى هدف مركزي للهجمات التفجيرية، وحصدت ثمناً باهظاً من سكان المدينة اليهود، 210 قتيلاً وآلاف الجرحى، وإضراراً شديداً بمستوى المعيشة في المدينة.
كما تستشهد بجملة من التحقيقات الأمنية والاستخبارية التي أكدت مشاركة واسعة لعرب شرقي القدس في العمليات الفدائية خلال تلك السنوات، وبالتالي تحتم المكافحة اللازمة لهذه المشاركة العمل على الفصل بين الأحياء العربية في القدس ونظيرتها اليهودية، لأن هناك التصاقاً كبيراً بينها لا تتعدى في الكثير من المناطق العشرات والمئات من الأمتار فقط.
وبالتالي فإن خطوة إبعاد هذه الأحياء بعضها عن بعض، باتت ضرورية وملحة لأكثر من سبب، سواء من أجل إحباط تلك العمليات من جهة، ومن جهة أخرى لتسهيل مهمة جمع المعلومات الاستخبارية، وثبت ذلك من خلال العديد من الحملات الأمنية التي قامت بها أجهزة الأمن في المدينة، كما تقول بذلك بعض الأوساط الإسرائيلية.
وتؤكد تلك المصادر أن التعامل مع المسألة الأمنية والمجموعات المسلحة في المدينة المقدسة لا يمكن من إخراج مسألة بحث موضوعها ومستقبلها إلى حيز الوجود، كما ينطبق ذلك على تعاملها مع مسألة الحروب، لأن الدفاع عن المدينة في حال اندلاع حروب مع جيوش نظامية تحتم على إسرائيل سيطرة مطلقة من قبل جيشها على تخوم المدينة أكثر من السيطرة الحالية.
أخيراً.. فإن ما يحدث في مدينة القدس، وما قد يحدث في قادم الأيام، كما هو متوقع، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمرجعيات الفكرية والسياسية للحكومة الإسرائيلية الحالية، وليس استجابة فقط لتوجهات بعض الأطراف فيها، أو خضوعاً لضغوط المنظمات الدينية، وهو ما قد يجعل ما تبقى من عمر هذه الحكومة حتى نهايتها، سنيناً حبلى بالكثير من المخاطر التي تهدد المدينة ومستقبلها على مختلف الأصعدة، سياسياً واقتصادياً ودينياً.









